الأربعاء, سبتمبر 18من نحن؟

بورتو فارينا: إتقان البهجة

213 Views

اصيلة ـ سينما  بقلم : نورة المشري

“خلصنا يا قلاب، الرخ لا الرخ لا الرخ لا…” يُخيل إليك في أولى ثواني بث الفيلم انك أمام مادة فنية ستقتات هي الأخرى من الثورة، ستبني عمادها كغيرها من صراخ وتمرد وتأخذك غصبا لنفس الأجواء التي تعيشها منذ سنوات بمُرها وحلوها… ليس الأمر كذلك فالصورة هنا مضيئة، ملونة تصاحبها موسيقى ذات إيقاع جميل سرعان ما تنفض عنك القتامة فتستوي في كرسيك وتركز حواسك، جميعها، لتعيش القصة.

ربان الفيلم، قائد الميناء: الكبير محمد إدريس

يبدو أن ليس أدهى من أن تنطلق من مشهد يركز على وجه الكبير محمد إدريس فتذهب به نحو سرد القصة، “سي فرج” تدور حوله جميع الأحداث في نسق دائري ينطلق منه ويعود إليه وأثناء دورانه تمر بجميع الشخصيات فلا تكاد تعرف الأساسية منها والثانوية. يحافظ محمد إدريس في دور فرج على هدوئه المستفز ونظراته الثاقبة ونبرة صوته ذا البحة الجميلة، يقود البيت بمن فيه والميناء بجميع ما فيه حتى انه حين قرر أن يتزوج ابنه علي المقيم بمرسيليا ابنةَ أخيه سارة لم يعارضه احد وانتصب العرسُ في انتظار وصول العريس( محمد علي بن جمعة).

محمد علي بن جمعة ينصهر في “علي” ويتخلى عن الوسامة

قد لا نستغرب ان لا يتعرف المشاهد على صاحب دور علي البحري في الفيلم، ابن سي فرج الذي يعود من مرسيليا للزواج من ابنة عمه حتى يُرزق أطفالا بعد علاقة بفرنسية لم تثمر أبناءً. علي رجل اربعيني ذي كرش بارزة واصلع يبدو بسيطا درجة البله تنتظران يتكلم لتتعرف على صاحب الدور الذي طالما لعب أدوارا مختلفة جمعت بين معظمها الوسامة والأناقة والطبقة المترفة من الشباب أو ما يُصطلح عليه ب”ولد الفاميليا”. كسر دور “علي” القالب الذي طالما انحصر فيه محمد علي بن جمعة فينطلق في رحلة جميلة وممتعة ترى من خلالها كل إمكانيات هذا الممثل بكل بساطة دون تعقيد.

كل مكونات البهرج دون بهرج

كنت رأيت منذ اشهر صورة من كواليس الفيلم لمجموعة الممثلين بأزيائهم وابتساماتهم واذكر إنني سُررتُ جدا بها وكم وددت ان افهم سياق تلك الصورة فقد تم تداولها دون اية معلومة، أظن أنها كانت خطوة مقصودة ومن الذكاء بكثير نحو ترويج الفيلم فيما بعد قبل عرضه.

قد تتساءل حين يبدأ العرض عن سر الأزياء والأكسسوارات والبهرج المبالغ فيه ربما ولكن سرعان ما تتخلى عن تساؤلك ذاك ليس لأنك عرفت الإجابة بل لأنك لست في حاجة لإجابة او لفهم، تأسرك الصورة وتأخذك إليها عنوة بسحر جميل يسرق كل حواسك فتستجيب لرحلة في عالم يراوح بين الخيال والواقع، عالم ما بين الحقيقة واللاحقيقة وسلاح الرحلة جمالها. تزيد الموسيقى الرحلة متعة وسحرا فتجد نفسك تجري على أنغامها فوق أمواج بحر جميل مستسلما لمشاهد متتالية متناغمة مع روعة المكان وخصوصياته، لن تزعجك الألوان الصاخبة ولا الأزياء الغجرية ولا البهرج ولا الأكسسوارات الكثيرة بل عكس ذلك ستحبها حتما.

فنانات في أوج عطائهن

 ستعجبك “وجيهة الجندوبي” متنكرة في حبيبة مسيكة أو في فريدة كاهلو وستعشق الكبيرة فاطمة بن سعيدان بقصة الشعر على الجبهة وبلباس غجري ملون. وسط كل هذا البهرج الساحر لن يكون لديك الاستعداد الكافي لتتوقف عند بعض الرموز في الفيلم، ستحرق كل الإشارات المرورية وتمر، عن طواعية ستمر على مشهد قد يشير الى علاقة شاذة بين سارة العروس وصديقتها حسناء، عن تقابل السلطة بين الأب والابن في مشهد السجن، عن “عمار” الحنش أو “الفليك” أو الشرطي الذي يأكل أينما ذهب، عن مجموعة الأحذية التي يحرص الجميع على تلميعها لسي فرج البحري حتى وان كان ذلك عن طريق البصق عليها…

ستريد المزيد

رحلة ممتعة زادها مغدق في الجمالية، ضحك كثير وفكاهة جميلة وذكية، رحلة قد تنتهي او قد لا تنتهي بمشهد رجوع البحري إلى منزله بحذاء غير حذائه وبحمالات سروال متهاوية على كتفيه ولا تزال “تبحلق” في الشاشة حتى لا تفوت أية تفاصيل فينتهي الفيلم…ينتهي الفيلم فتشعر انك لا تزال تحتاج المزيد منه، فعلا هي الحاجة الاكيدة لمثل هذه المادة الثقافية التي تجعلك تسافر بعيدا عن واقع مرهق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *