الخميس, نوفمبر 21من نحن؟

مونودراما “سمّها ما شئت”: متاهة حياتيّة متشعّبة تتلاطم فيها صراعات الوفاء والخيانة

277 Views

اصيلة ـ فن

المصدر : وكالة تونس افريقيا للانباء

تلوح على الركح شخصية واحدة ووحيدة في حالة سكون مطلق، مستلقية إلى جوار كرسي، تبدو منهارة نفسيا وجسديا، منهكة وخائرة القوى، لكن سرعان ما تباغت الجمهور بحركات مفاجئة متتالية تعكس ما ينتاب الشخصية من حالات الخوف والجنون والفزع والاضطراب والحيرة أو “سمّها ما شئت”.

بهذه العلامات الدّالة على الضياع والتشتت الفكري والنفسي والجسدي، استهلّ العمل المونودرامي “سمّها ما شئت” للمخرج وليد الدغسني وأداء الممثلة أماني بلعج وإنتاج شركة “كلندستينو للإنتاج”. وقد تم تقديم العرض الأول لهذا العمل بالعاصمة، مساء الخميس بمسرح المبدعين الشبان بمدينة الثقافة، بحضور كوكبة من المسرحيين والإعلاميين ومحبي الفن الرابع.

تحكي أحداث المونودراما عن امرأة هجرها حبيبها فجأة بدعوى انه يُريد ترتيب أفكاره، في وقت تشهد فيه البلاد موجة من الاضطرابات وتصاعد وتيرة العنف التي أدّت إلى حرق مدرسة للرقص من قبل عناصر تكفيرية متشدّدة، فترفض شركة التأمين تعويض الأضرار، لتجد نفسها تائهة بين خياريْن أحلاهما مرّ: فإما أن تقبع في غياهب السجن أو تسلّم منزلها للبنك، وهو ما زاد من خناقها وعزلتها، وحرّك داخلها مشاعر التخلّص من الخوف الذي يسكنها، والتمرّد على واقع تسوده الخيانة والفساد.

يُثير المخرج وليد دغسني في المتفرّج، قبل انطلاق العرض، فعل التساؤل عن دلالة العنوان “سمّها ما شئت”، فيدفعه إلى التفكير في مقاصد العنوان، لينتهي به الأمر إلى الحيرة والضياع بحثا عن تفسير لـ “سمّها ما شئت”، هكذا كانت إجابة جلّ من تحدّثت إليهم “وات” الذين كانوا ضمن الحاضرين ينتظرون دخول القاعة لمواكبة العرض.

دام عرض المونودراما 60 دقيقة، راوحت خلالها الممثلة أماني بلعج بين التمثيل والغناء والكوريغرافيا، كما راوحت بين المواقف الكوميدية الساخرة والمواقف التراجيدية، وكذلك بين إلقاء النص باللهجة العامية التونسية واللغة العربية الفصحى. وهذه المراوحة بين مختلف هذه الأساليب الفنية، هي موظفة بإحكام تعبّر عن حالة التشظّي أو التشتّت أو التمزّق أو “سمّها ما شئت”.

تعيش الشخصية في المونودراما صراعات بين “الأنا” و”الذات” وبين “الأنا” و”الآخر”، وترجمت الممثلة أماني بلعج هذه الصراعات المتتالية في الاستفهامات المتواترة التي تعبر عن الحيرة والقلق والمتاهات في واقع بدا مأساويا يكتنف الغموض مستقبله.

و”التكرار” هو أيضا من السمات الفنية المميزة لهذا العرض، وتجلى التكرار في الحركات الكوريغرافية وفي النص أيضا، والهدف من ذلك هو الرفع في درجة إيقاع العرض من ناحية والتأكيد على قضية مهمة وتسليط الضوء عليها لإبراز هولها وخطورتها.

وراوحت أماني بلعج في الكوريغرافيا بين البطء والسرعة، وبين الحركات الكوريغرافية المتقوقعة على الجسد والحركات المفتوحة, وذلك للدالة على حالات الجمود والانغلاق والسجن النفسي والعاطفي والإنساني، ولتعبر مقابل عن التمرد والتوق إلى حرية كونية.

أما المراوحة في النص بين اللهجة العامية التونسية واللغة العربية الفصحى، التأكيد على أن القضايا المطروحة لا تهم الواقع التونسي فحسب، بل تتعداه لتشمل الوطن العربي والإنسان بصفة عامة.

اقتصرت العناصر السينوغرافية لموندراما “سمها ما شئت” على الإضاءة وبعض الأكسيسوارات (قناع، قطعة قماش بيضاء، خوذة عصا وبندقية) وظفتها أماني في لعبها الدرامي على الركح. ونجحت في سدّ الفراغات التي تملأ الركح بالغناء والكوريغرافيا في نسق تصاعدي شدّ إليها أنظار الجمهور وتركيزه على مختلف ردهات العرض.

ولم يخلُ العمل من المفاجآت في أداء أماني بلعج التي كسرت ما يسمّى في المسرح بـ “الجدار الوهمي” الذي يفصل الركح عن الجمهور، وصعدت إلى مقاعد الجمهور وهي تُعيد السؤال بحزم عمّا كان يفكر فيه “شهريار” في الوقت الذي كانت تقصّ عليه الحكايا.

تثير “سمّها ما شئت” مجموعة من القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية: فالخيانة والغدر والشعارات الجوفاء التي تُرفع باسم مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى الاحتجاجات الاجتماعية والفساد والرشوة والعنف المسلّط على المرأة وغيرها من الظواهر، كانت من المواقف التي اهتمّت بها الممثلة في العمل.

تتمرّد الشخصية على واقعها وتسعى للخلاص لنفسها بعد أن قابلها من أرادت الاستعانة بهم بـ “الخيانة”: فزوجها تركها لأسباب ذاتية، والمحامي يظهر مبتزّا لها، بدل أن يكون حاميا لها ولحقوقها، ومدير البنك مرتشٍ. ولذلك كان لا بدّ لها أن تتخلّص من الخوف وأن تسعى لتغيير هذا الواقع التراجيدي نحو الأفضل. ولكن الخلاص الذي تأمله ليس لنفسها فحسب، بل من أجل المجموعة أي من أجل الإنسان.

وهذه الثورة التي أعلنتها المرأة تنتهي بسكونها وجمودها لكن ليس بموتها، وهذا السكون هو بمثابة استراحة محارب ليعود إلى الجبهة ويواصل القتال، وهو المشهد الذي افتتحت به مونودراما “سمّها ما شئت”، أي أن الممثلة بدت في فترة استراحة ثم عادت للقتال من أجل الخلاص للإنسانية من الشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *